في زمن كثرت فيه المعلومات النفسية على مواقع التواصل، أصبح كثير من الناس يصلون إلى العيادة وهم يحملون اسما جاهزا لما يمرون به.

شخص يقول: أنا مكتئب.

وآخر يقول: أنا عندي صدمة.

وثالث يقول: أنا انا اعاني تدني تقدير الذات .

ورابع يقول: أنا ضعيف الشخصية.

وخامس ينتقل بين الفحوصات والعيادات بسبب أعراض جسدية مزعجة، بينما يكون جزء كبير من معاناته مرتبطا بالقلق والتوتر والضغط النفسي المزمن.

وجود الوعي النفسي أمر مهم، ولا يمكن التقليل من قيمته. لكن الوعي عندما يكون ناقصا أو غير علمي قد يتحول إلى عبء جديد على صاحبه. فالمشكلة لا تكون دائما في الأعراض وحدها، بل أحيانا في الاسم الذي نضعه على هذه الأعراض، وفي القصة التي نبنيها حولها، وفي الحكم الذي نصدره على أنفسنا بسببها.

فالإنسان لا يتألم فقط مما يشعر به، بل قد يتألم أيضا من تفسيره لما يشعر به.

قد يمر شخص بحزن شديد بعد فقد أو خذلان أو تجربة قاسية، ثم يقرأ عن الاكتئاب فيجد بعض التشابه، فيبدأ في التعامل مع نفسه كأنه دخل مرضا مزمنا لا خروج منه.

وقد يعيش شخص تحت ضغط طويل، فيضطرب نومه ويتوتر جسده ويخاف من المستقبل، فيظن أن هذا يعني أنه على وشك الانهيار الكامل.

وقد تأتي لشخص أفكار وسواسية مزعجة، وهو في داخله يرفضها ويخاف منها، فيعتقد أن وجود هذه الأفكار يعني أنه شخص سيئ أو خطير، بينما طبيعة الوسواس نفسها تقوم على أفكار دخيلة ومرفوضة ومخيفة لصاحبها.

وقد يعاني شخص من أعراض جسدية حقيقية؛ ألم في البطن، ازدياد ضربات القلب ، ضيق نفس، شد عضلي، صداع، أو اضطراب في القولون، فيظل يبحث فقط عن سبب عضوي مباشر، مع أن الجسد أحيانا يحمل ضغط النفس ويتكلم بلغته الخاصة.

في كل هذه الحالات، لا تكون المعاناة بسيطة. ولا يجوز اختصارها في جملة عامة. لكن الخطر أن يتحول الاسم غير المنضبط إلى سجن.

عندما يصدق الإنسان أنه مصاب بحالة لا تطابق واقعه، قد ينسحب من حياته.

وعندما يصدق أنه ضعيف، قد يتوقف عن المحاولة.

وعندما يصدق أنه يفقد عقله، قد يخاف من نفسه.

وعندما يصدق أن كل ألمه جسدي فقط، قد يظل يدور بين الفحوصات دون أن يصل إلى أصل الصورة.

وعندما يصدق أن كل ضيق نفسي هو اكتئاب، قد يضيع الفرق بين الحزن، والصدمة، والقلق، والإنهاك، واضطرابات المزاج.

هنا يصبح التشخيص الخاطئ، أو التفسير الخاطئ، جزءا من استمرار المعاناة.

ليس لأنه يخلق الألم من العدم، بل لأنه يضيف إلى الألم خوفا، وإلى الخوف عزلة، وإلى العزلة صورة قاسية عن النفس.

لهذا السبب لا يقوم العمل النفسي المهني على وضع اسم سريع للحالة، ولا على طمأنة سطحية، ولا على تحويل كل وجع إلى مرض، ولا على تحويل كل مرض إلى نصيحة عامة.

العمل النفسي المهني يبدأ من التقييم.

والتقييم ليس سؤالا واحدا، ولا منشورا، ولا رسالة واتساب، ولا اختبارا عابرا على الإنترنت.

التقييم النفسي  يعني أن نفهم الصورة كاملة:

متى بدأت الأعراض؟

ما الذي سبقها؟

كيف تطورت؟

كيف أثرت على النوم، والشهية، والطاقة، والتركيز، والعمل، والدراسة، والعلاقات؟

هل توجد أفكار إيذاء للنفس أو للآخرين؟

هل توجد أعراض ذهانية أو فقدان واضح للاتصال بالواقع؟

هل توجد مواد أو أدوية أو أمراض جسدية قد تؤثر في الحالة؟

هل ما يحدث أقرب إلى قلق، أو اكتئاب، أو وسواس، أو أثر صدمة، أو اضطراب تكيف، أو إنهاك نفسي، أو حالة جسدية متداخلة مع الضغط النفسي؟

وهل يحتاج الأمر إلى علاج نفسي، أو علاج دوائي، أو متابعة منظمة، أو إحالة إلى مستوى رعاية أعلى؟

هذه الأسئلة ليست تعقيدا أكاديميا.

إنها الفرق بين طريق علاجي صحيح وطريق طويل من التخمين.

فالفرق بين القلق والاكتئاب ليس فرقا في الاسم فقط.

والفرق بين الحزن الطبيعي واضطراب المزاج ليس فرقا لغويا.

والفرق بين الوسواس والذهان ليس تفصيلا صغيرا.

والفرق بين الضغط النفسي المزمن والمرض الجسدي  قد يغير خطة العلاج كلها.

والفرق بين حالة يمكن متابعتها عن بعد وحالة تحتاج رعاية طبية طارئة قد يكون فرقا حاسما في السلامة.

لذلك فإن الدقة في التقييم ليست رفاهية. إنها جزء من الأمانة المهنية.

بعض الناس يحتاجون إلى علاج دوائي. وبعضهم لا يحتاجون إليه.

بعض الناس يحتاجون إلى جلسات علاجية منتظمة. وبعضهم يحتاجون أولا إلى استقرار في النوم والروتين وتقليل الضغط.

بعض الناس يحتاجون إلى شرح صحيح لما يحدث لهم حتى يتوقفوا عن الخوف من أنفسهم.

وبعض الحالات لا تحتمل الانتظار ولا تصلح للمتابعة العادية عن بعد، مثل وجود خطر مباشر على النفس أو الآخرين، أو هياج شديد، أو ذهان حاد، أو تسمم أو انسحاب من مواد، أو تدهور شديد في الأكل أو الشرب أو النوم، أو فقدان واضح للسيطرة. هذه الحالات تحتاج إلى رعاية طبية طارئة مباشرة، ووجود شخص موثوق مع الحالة دون تأخير.

هذه الحدود لا تضعف العيادة النفسية. بل تثبت مهنيتها.

لأن العيادات الجادة لا تدعي أنها مكان لكل شيء.

ولا تتعامل مع كل حالة بنفس الباب.

ولا تطلب من الناس أن ينتظروا موعدا عاديا عندما تكون السلامة مهددة.

في الواقع السوداني، وفي مجتمعاتنا عموما، يضاف إلى الألم النفسي حمل آخر: حمل الكلمات.

كلمة "نفسيات".

كلمة "مجنون".

كلمة "زول ضعيف".

كلمة "حركات ".

كلمة "إيمانك ضعيف ".

كلمة "أنت مكبر الموضوع".

كلمة "ما عندك حاجة".

وكلمة "أنت عيان أو مريض " عندما تقال بلا شرح ولا رحمة.

هذه الكلمات قد تبدو عابرة، لكنها أحيانا تدخل في بنية المعاناة نفسها. تجعل الإنسان يخجل من طلب المساعدة، أو يخاف من العلاج، أو يختبئ من أهله، أو يصدق أن ما يحدث له عيب في شخصيته لا حالة يمكن فهمها والتعامل معها.

ولهذا فإن الأصالة في الخدمة النفسية ليست في اللهجة فقط، ولا في الشعارات، بل في فهم الواقع الذي يأتي منه الإنسان.

أن تفهم معنى الوصمة في بيت سوداني.

أن تفهم معنى أن يتعب الإنسان في الغربة ولا يجد حوله  سند.

أن تفهم أثر الحرب والنزوح وفقد الأمان والضغط المالي وانقطاع الروتين.

أن تفهم أن بعض الناس عاشوا سنوات وهم يتحملون فوق طاقتهم، ثم عندما انهاروا قيل لهم إنهم ضعفاء.

هذا الفهم المحلي لا يناقض المهنية عالميا . بل يجعلها أكثر صدقا.

فالعلم النفسي الجيد لا يعيش في الكتب وحدها. يعيش أيضا في طريقة تطبيقه على الإنسان الحقيقي، بلغته، وخوفه، وكرامته، وسياقه الاجتماعي.

من هنا تأتي قيمة التقييم النفسي في عيادة الدكتور خالد النفسية.

نحن لا نتعامل مع التقييم كإجراء شكلي قبل العلاج، ولا كطريق سريع لإعطاء اسم للحالة. بل نراه مرحلة أساسية لفهم الإنسان قبل وضع الخطة.

الهدف ليس أن نبحث للمراجع عن تشخيص بأي ثمن.

والهدف ليس أن نطمئنه بكلام جميل فقط .

والهدف ليس أن نخيفه بالمصطلحات.

الهدف أن نفهم ما يحدث له بأكبر قدر ممكن من الدقة، ثم نشرح له الصورة بلغة واضحة مفهومة ، ونضع معه الطريق العلاجي الأنسب، أو نوجهه إلى الجهة المناسبة إذا كانت حالته تحتاج شكلا مختلفا من الرعاية.

أحيانا تكون أول خطوة في العلاج أن يسمع الإنسان جملة معينة في وقتها:

أنت لا تتوهم، لكننا نحتاج أن نفهم القلق.

أنت لست ضعيفا، لكن جهازك العصبي مرهق.

أنت لا تفقد عقلك، لكن الوسواس في ازدياد ويحتاج تعاملا مهنيا .

أنت لست فاشلا اجتماعيا، لكن الخوف من تقييم الناس أصبح يقيّد حياتك.

أنت لا تعاني من القولون فقط، فقد يكون جسمك حاملا لجزء من ضغطك النفسي.

هذه الجمل لا تعالج كل الحالات وحدها. ولا تغني عن العلاج عندما تكون الحالة محتاجة متابعة أو دواء أو تدخلا متخصصا.

لكنها قد تفتح الباب الصحيح. ومن الباب الصحيح يبدأ العلاج الصحيح. 

الفهم الصحيح لا يلغي الألم. و لكنه يمنع الألم من أن يتحول إلى هوية.

ويمنع العرض من أن يصبح حكما نهائيا على الإنسان.

ويمنع الاسم الخاطئ من أن يسرق سنوات من حياة صاحبه.

لهذا، عندما نقول إن التقييم النفسي مهم، فنحن لا نقول ذلك لتضخيم الموضوع، ولا لتحويل كل تعب إلى مرض. نقوله لأن الطريق العلاجي يبدأ من الفهم الصحيح.

إذا كانت الأعراض النفسية مستمرة، أو مؤثرة على النوم، أو العلاقات، أو الدراسة، أو العمل، أو القدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية، فالخطوة الصحيحة ليست الاستمرار في التخمين، ولا الدوران بين منشورات الإنترنت، ولا الخوف الصامت من الاسم.

الخطوة الصحيحة هي جلسة تقييم نفسي .ليس بحثا عن لقب للحالة. بل سعيا لفهمها.. وبعد الفهم، يمكن أن تبدأ الخطة.

بلا تهوين. وبلا تهويل.. وبلا كسر لكرامة الإنسان.

في عيادة الدكتور خالد النفسية، نؤمن أن التشخيص ليس غاية في ذاته، بل بداية لفهم الإنسان بصورة أدق، ووضع خطة علاجية مبنية على تقييم سريري ، يحترم العلم ويحفظ كرامة المراجع.

هذا المقال للتوعية النفسية العامة، ولا يغني عن المقابلات المهنية للتقييم النفسي عند وجود أعراض مستمرة أو مؤثرة على النوم أو العلاقات أو الدراسة أو العمل أو السلامة الشخصية.

للحجز عبر موقع العيادة: www.drkhalidmentalhealth.com

د. خالد حسن 

مؤسس ومدير عيادة الدكتور خالد النفسية 

الطب النفسي عن بعد وخدمات الصحة النفسية المجتمعية

www.drkhalidmentalhealth.com