مدخل سريري: متى يكون الانفعال علامة عافية؟

في الممارسة الطبية والنفسية، هناك خلط شائع وخطير، يتمثل في الميل إلى تصنيف الانفعالات الحادة والغضب الشديد باعتبارها أعراضاً لاضطرابات نفسية تستدعي التشخيص أو التدخل العلاجي.

لكن الحقيقة السريرية والإنسانية أعمق من ذلك بكثير.

ليس كل غضب مرضاً نفسياً، وليس كل هدوء أو صمت حكمة واتزاناً.

هناك لحظات قاسية يمر بها الإنسان والمجتمعات، يكون فيها الغضب استجابة نفسية وجسدية طبيعية لواقع غير طبيعي. وحين تتعرض الكرامة الإنسانية للانتهاك، فإن الغضب قد يكون تعبيراً عن إدراك الإنسان لما وقع عليه من ظلم، ورفضه للتعدي على حدوده وحقوقه.

وفي المقابل، لا يجوز أن نحكم على من لا يُظهر غضبه بأنه فاقد للإحساس أو عاجز عن الدفاع عن نفسه. فالناس يختلفون في استجاباتهم للألم والصدمة؛ منهم من يغضب، ومنهم من يصمت، ومنهم من يعيش حالة من الخدر العاطفي أو الانسحاب.

والفحص السريري الجيد لا يختزل الصحة النفسية في شكل الانفعال أو شدته، بل ينظر إلى سياقه ومعناه وأثره على حياة الإنسان وقدرته على التعامل مع الواقع.

جرح الكرامة ومأساة الحدود... قراءة في غضب الشارع السوداني

خلال الأيام الماضية، شهدنا موجة من الغضب والحزن العميق في الشارع السوداني، عقب الأنباء المؤلمة عن سقوط ضحايا من المعدنين السودانيين، أو «الدهابة»، إثر ضربات جوية استهدفت مناطق التعدين قرب الحدود السودانية المصرية.

ولا تزال بعض تفاصيل هذه الأحداث، بما فيها الحصيلة النهائية للضحايا والمسؤوليات المرتبطة بها، بحاجة إلى تحقيق وتوثيق مستقلين.

لكن ما يستحق التأمل هنا هو طبيعة الاستجابة الإنسانية والاجتماعية لهذه المأساة.

ليس من المنصف اختزال هذا الغضب في مجرد هيجان جماعي عابر، أو اعتباره دليلاً على اضطراب انفعالي لدى السودانيين.

فالغضب هنا يمكن فهمه في سياق أوسع من الألم المتراكم، والشعور بانتهاك الكرامة، والخوف على حياة الإنسان السوداني الذي أنهكته الحرب والنزوح والفقد وانعدام الأمان.

وحين يسمع الإنسان عن سقوط ضحايا جدد، قد لا يتفاعل مع الحادثة بمعزل عن غيرها، بل يستحضر معها تاريخاً طويلاً من الخسارات والإحساس بأن حياته وحياة أهله لم تعودا تحظيان بما تستحقانه من حماية واحترام.

وما يبدو غضباً من حادثة واحدة قد يحمل في داخله وجع سنوات كاملة.

هذا الفهم لا يعني أن كل تعبير عن الغضب سليم، ولا يمنح أي انفعال حصانة من المساءلة. لكنه يمنعنا من ارتكاب خطأ آخر: أن نتعامل مع الغضب المشروع وكأنه المشكلة، ونتجاهل الظروف التي أنجبته.

التفريق النفسي: بين الشعور بالدونية ورفض الإذلال

من أهم النقاط التي تستحق التحرير في وعينا المجتمعي، وفي فهمنا النفسي أيضاً، التمييز بين الشعور بالدونية والتعرض للإذلال.

الشعور بالدونية (Inferiority): يرتبط بتقييم الإنسان لذاته، وقد يظهر في صورة إحساس متكرر بأنه أقل قيمة أو كفاءة أو استحقاقاً من الآخرين. وقد يتأثر هذا الشعور بخبرات شخصية واجتماعية طويلة، ويصبح مصدراً للمعاناة إذا ترسخ وأثر على حياة الإنسان وعلاقاته.

أما الإذلال (Humiliation): فيرتبط بتجربة يتعرض فيها الإنسان للاحتقار أو الإهانة أو الحط من قدره، سواء بصورة مباشرة أو من خلال ممارسات اجتماعية ومؤسسية تمس كرامته.

والفرق هنا مهم.

فليس كل إنسان يغضب من الإهانة شخصاً يعاني من عقدة نقص، كما أن رفض الإذلال لا يعني بالضرورة أن صاحبه يتمتع بتقدير كامل ومستقر لذاته.

قد يجتمع الشعور بالدونية مع رفض الإهانة لدى الإنسان نفسه، وقد يكون الغضب استجابة لاعتداء حقيقي على الكرامة، بصرف النظر عن البناء النفسي للشخص.

لذلك، فإن تفسير غضب السودانيين تجاه ما يتعرضون له من انتهاكات باعتباره مجرد تعبير عن «عقدة دونية» قد ينطوي على تبسيط نفسي جائر، لأنه ينقل مركز الاهتمام من الفعل المؤذي إلى نفسية من وقع عليه الأذى.

ليس كل شعور بالإهانة دليلاً على هشاشة الذات؛ أحياناً تكون الإهانة حقيقية، ويكون الغضب اعترافاً واضحاً بأنها لا ينبغي أن تُقبل.

الرسالة السريرية: هل التعافي يعني الصمت والتخدير؟

هنا تبرز مسألة جوهرية تتصل بفلسفة العمل في عيادة الدكتور خالد النفسية، وبالمسؤولية الأخلاقية للممارسة الطبية والنفسية عموماً.

الطب النفسي ليس أداة لإسكات الناس، ولا وسيلة لتجريد الإنسان من غضبه المشروع، أو جعله أكثر قدرة على تحمل الإذلال دون اعتراض.

وليس الهدف من العلاج أن يتحول الإنسان المظلوم إلى شخص بارد المشاعر، يتقبل كل ما يقع عليه من أذى بابتسامة هادئة.

فهذا ليس تعريفاً للتعافي النفسي.

وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراف بمشروعية الغضب لا يعني التقليل من أهمية العلاج عندما تصبح المعاناة النفسية شديدة، أو تعطل النوم والعمل والعلاقات، أو تهدد سلامة الإنسان.

هناك فرق أساسي بين علاج المعاناة النفسية، وبين محاولة إلغاء الاستجابة الإنسانية للظلم.

دورنا السريري والأخلاقي هو مساعدة الإنسان على فهم مشاعره بعمق: أن يتعرف على خوفه، ويستوعب غضبه، ويدرك مصادر ألمه، ويستعيد قدرته على التفكير والاختيار.

ليس المطلوب من الإنسان المتألم أن يتوقف عن الغضب لكي يتعافى؛ المطلوب أن يستعيد قدرته على اختيار ما يفعله بهذا الغضب.

الصحة النفسية لا تعني الرضا بالظلم أو الاستسلام للواقع القاسي، بل تتضمن امتلاك المرونة والوعي والقدرة على حماية الذات، والمطالبة بالحقوق، والتعامل مع الضغوط دون أن يتحول الألم إلى قوة تدمر صاحبها أو تؤذي الأبرياء من حوله.

ثبات المبدأ الأخلاقي: العدالة لا تتجزأ والدم الإنساني واحد

لأن الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يستقيم بالانتقائية، فإن غضبنا المشروع تجاه ما يتعرض له السودانيون لا يمكن أن يبرر الاعتداء على الآخرين أو التشفي في مآسيهم.

وفي هذا السياق، فإن حادثة مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث في إطلاق نار جنوبي الخرطوم تستوجب موقفاً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً لا يحتمل المساومة.

إن قتل الأبرياء والاعتداء عليهم فعل مرفوض ومدان، أياً كانت جنسيتهم، وأياً كانت الظروف السياسية التي أحاطت بالحادثة.

لا يجوز أن يتحمل إنسان بريء وزر دولة أو حكومة أو جماعة، ولا أن تتحول المطالبة بالعدالة إلى تبرير للاعتداء على آخرين لا مسؤولية لهم عما وقع.

إن رفضنا لانتهاك كرامة الإنسان السوداني لا يكتمل إلا برفض انتهاك كرامة الإنسان المصري، أو أي إنسان آخر.

فالكرامة التي ندافع عنها ليست امتيازاً تمنحه الجنسية، وإنما قيمة أصيلة في الإنسان نفسه.

وإذا كنا نرفض أن يصبح دم السوداني رخيصاً، فلا يجوز أن نقبل بأن يصبح دم غيره رخيصاً أيضاً.

وهذا ليس تنازلاً عن حقوقنا، ولا دعوة إلى الصمت تجاه ما وقع، بل هو التزام بالمبدأ الذي يجعل مطالبتنا بالعدالة متماسكة أخلاقياً.

المطالبة بالحقيقة والمحاسبة لا تتعارض مع رفض الانتقام العشوائي؛ بل إن الجمع بينهما هو ما يحمي معنى العدالة من أن يضيع وسط الغضب.

من الانفعال إلى الفعل الواعي

السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نضعه اليوم أمام أنفسنا هو:

ماذا سنفعل بهذا الغضب، وبهذا الألم الذي نحمله؟

هل سنسمح للغضب بأن يقودنا بصورة عمياء، ويجرنا إلى دوائر جديدة من الأذى والانتقام واستنزاف طاقتنا النفسية والاجتماعية؟

أم سنتمكن من تحويله إلى موقف واعٍ ومسؤول، يطالب بالحقيقة دون تزييف، وبالمحاسبة دون انتقائية، وبحماية كرامة الإنسان دون أن ينتهك كرامة إنسان آخر؟

ليس المطلوب أن نكون أقل إحساساً بما يحدث حولنا.

وليس المطلوب أن نتعلم كيف نتعايش مع المهانة وكأنها جزء طبيعي من الحياة.

المطلوب أن نحتفظ بإنسانيتنا ونحن نواجه ما يهددها، وألا نسمح لقسوة الواقع بأن تعيد تشكيلنا على صورته.

الغضب قد ينبهنا إلى الظلم، لكنه لا يخبرنا وحده كيف نحقق العدالة.

وهنا تتجلى قيمة الوعي النفسي والنضج الأخلاقي: أن نفهم مشاعرنا دون أن نخضع لها بصورة عمياء، وأن نتمسك بحقوقنا دون أن نتخلى عن مبادئنا.

فالتعافي النفسي والمجتمعي لا يتحقق بإسكات الألم، ولا بتقديس الغضب، وإنما باستعادة الإنسان قدرته على الفهم والاختيار والفعل المسؤول.

د. خالد حسن
عيادة الدكتور خالد النفسية
أكتوبر 2026م
العودة إلى المقالات