وفي حتة مجهولة في العالم.. وآخر الليل.. في شاب قاعد قدام شاشة كمبيوتر.. جهازو قديم شوية.. ويمكن تعبان أكتر منو.

واحتمال الغرفة ضيقة.. ويمكن القهوة بردت جنبو من قبيل.. وكتب ليهو سطر بتاع كود.. كود برمجة.. وكتب سطر تاني..

وما كان عارف شرق النيل وين.. ولا سمع عن الحاج يوسف ولا الشقلة..

وما عارف إنو في يوم من الأيام.. في حاجة هو شارك في انه يعملها حتسافر آلاف الكيلومترات وتدخل عيادة نفسية سودانية شغالة وسط حرب..

ولا كان محتاج يعرف..

كفاية الوقت داك انو كان مؤمن بانو العلم القاعد يسوي فيهو ده.. احتمال يلقى زول محتاج ليهو في مكان هو ذاتو ما بعرفو..

وفي الطرف البعيد من الزول ده.. كانت في رحلة مختلفة شديد..

ما رحلة برمجة ولا تقنية.. رحلة نجاة.. من الخرطوم وهي قاعدة تتقلب وتتغير مع صوت الرصاص وطعم الموت.. من بيت لبيت.. ومن حي لغاية حلة.. ومعافرة الوقت كلو عشان تلقى مكان فيهو حبة أمان يخليك تنوم..

مكان يكون مستقر عشان يقول ليك عيش.. وبعداك اقدر اشتغل يا زول..

وعشان الشغل جلسات.. محتاج مكان هادي يخلي الزول في الطرف التاني يقدر يحكي وجعو..

والرحلة في شرق النيل استمرت.. وصلت لغاية مفتاح في اليد.. بتاع باب بيت مستقل.. وغرفة ممكن اخيرا تقول ليك ارقد نوم يا دكتور.. وقوم واصل الحكاية..

وطبعا الحكاية ما بدت هنا.. عشان قبل البيت المستقل.. وقبل الطاقة الشمسية.. وقبل استقرار الشبكة.. كانت العيادة بتجاهد كل يوم وبتتعلم تتصرف كيف عشان تستمر بالإمكانيات الموجودة.. وعملت كل الممكن.. وشوية من المستحيل..

وفي قلب الشقلة في الحاج يوسف.. وفي وسط الرصاص.. اتأسس مركز الفردوس عشان يقدم رعاية صحية أولية.. وبالنهار دكتور خالد شغال دكتور مقابل الناس.. يعالج حمى الضنك.. ويكافح الملاريا.. ويداوي السكر المرتفع.. ويسمع زول عايز يفضفض..

عنده أدوية بسيطة.. وموية مافي.. والكهرباء زي الخيال..

وشوارع فيها ارتكازات.. وسوء أخلاق.. وخوف يوماتي راقد في تفاصيل الحياة نفسها..

وبالليل تبدأ عيادة تانية.. عيادة عن بعد..

والمشكلة كانت أبسط وأقسى وأغرب من كل الخيال..

الشبكة مافي..

وأحوم بين حيطة والتانية.. وأشب عشان أقرب من راس البيت.. وشايل قناية وفي طرفها راوتر صغير لكن مجتهد.. قاعد يفتش معاي في إشارة صغيرة كافية بس عشان تقوم جلسة اقدر اسمع فيها صوت زول بعيد محتاج تقييم نفسي أو علاج..

مرة تشتغل.. ومرات تغيب.. ومرات التلفون ذاتو يفتر ويتعب ويحتاج يتشحن.. وأسوقه أوديه لي أب جيقة عشان يشحن.. وغالبا أب جيقة بيشحن لينا أعصابنا مع التلفون لانو صبور وصامد..

ودي ما كانت خيالات رومانسية عن الثبات..

لكن كانت حياتنا.. وطريقة شغلنا..

والزول المحتاج خدمة طبية وقاعد ورا الشاشة ما عنده ذنب إنو البلد في حالة حرب.. ولا مذنب في إنو الكهرباء مافي..

الرعاية الطبية دي يا تصل.. يا ما وصلت..

ومع الزمن الحاجات الصغيرة بدت تجي واحدة واحدة.. وظهر راوتر أحسن.. ومعاهو مكان يناسب الجلسات.. والشغل مشى يترتب.. ومعاهو البيت المستقل..

وحتى الشمس ذاتها دخلت الخدمة.. بالألواح الواقفة مقابلة وشها عشان تغذي بطاريات.. وطاقة ما قاعدة تنتظر جية الكهرباء عشان تبدأ يومها..

الشمس البتطلع كل صباح في شرق النيل بقت جزء أساسي من البنية التحتية لعيادة نفسية بتوصل خدماتها لناس أبعد بمراحل من حي ومدينة..

خدمات العيادة واصلة لشاب سوداني ركب السمبك وبقى مضغوط في طريق الهجرة في مركز إيطالي أو مجمع في فرنسا.. وبتوصل خدماتها لأسرة لجأت لحدود تشاد.. أو مغترب في بلد بعيدة لكن لسه وجعو ساكن في السودان..

ولما ظهر الذكاء الاصطناعي.. ما خليناهو يقعد محل الدكتور.. ولا اديناهو حياة الناس عشان ياخد القرار بدلهم..

لكن شغلناه يساعد في المكان الصاح من البنية التحتية حقت العيادة..

يساعد في تنظيم الجدول والمواعيد.. ويساعد في البحث عن آخر مستجدات العلاج.. ويساعد في انو يراجع المعلومات.. ويختصر شغل مرهق كان بياكل زمن كتير..

قاعد يساعد في عيادة صغيرة شغالة من شرق النيل إنها تنتج علم وأدوات ممكن تصل لإنسان بعيد شديد..

لكن الأهم من التقنية كلها اننا نعرف الأدوات دي حتخدم منو؟

لأنو التكنولوجيا بدون خدمة للإنسان ممكن تكون مجرد مكنة شاطرة..

والعلم بدون أخلاق ممكن يبقى بارد شديد.. والطب النفسي بالذات ما عايز يخلي المسافة بين الناس تزيد..

عايز يخليهم يقربوا من بعض بدون ما يلغي حدود المهنة.. ويقلل الوصمة بدون ما يصغر الوجع.. ويسهل انو الواحد يصل للخدمة بدون ما يبقى مجرد ملف أو رقم أو تشخيص ساكت..

الليلة.. لما أعاين للذكرى الجاية من أيام شحن التلفون عند أب جيقة.. والراوتر المربوط في طرف القناية.. ومركز الفردوس القام وسط الحرب.. وأحط الذكريات دي جنب البيت الهسي والطاقة الشمسية وأدوات العيادة الرقمية.. بلقى نفسي ما بتفرج على قصة تكنولوجيا ساكت..

أنا شاهد على شبكة كاملة من الناس.. الفيهم زول كتب كود برمجة في آخر الدنيا.. وفيهم عامل شارك في مصنع طلع ليهو جهاز.. ووكيل استورد ألواح وللا أسلاك..

وكهربجي ركب منظومة طاقة شمسية.. وفني اجتهد مع أبراج الشبكة عشان ترجع تتنفس..

ودكتور قعد ماسك تلفونو يتكلم مع زول قاعد بهناك.. في الطرف التاني.. وأخيرا لقى مساحة آمنة عشان يقول..

أنا تعبان.

ودي اللحظة البتدي الحاجات دي كلها معناها السمح.. عشان الخير مرات بشتغل بالطريقة دي.. بناس مختلفين.. وبعيدين عن بعض.. ولا بعرفوا بعض.. وكل واحد ماسك طرف صغير.. وبعدين تتجمع الأطراف دي كلها في مكان واحد عشان تعمل فرق كبير في حياة زول واحد.. وزولين.. وأكتر..

ونحن هنا ما بنحكي قصة انتصار على الظروف.. لانو الظروف أكبر من كده.. لكن بنحكي عن إنو الظروف ما عندها الحق تحدد لينا قيمة الإنسان.. ولا عندها الحق تخلي العلم يبطل يخدمو..

من شاشة تعبانة في مكان مجهول في آخر الدنيا..

لغاية راوتر مربوط في قناية في راس البيت في الحاج يوسف..

ولحدي شمس شغالة بكل النور حقها في الفيحاء..

كل الحاجات دي اتلاقت عشان تقول بصوت واحد..

الإنسان أولا.. والعلم دائما.